فخر الدين الرازي

228

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة القدر ( خمس آيات مكية ) [ سورة القدر ( 97 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أن المراد : إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر ، ولكنه تعالى ترك التصريح بالذكر ، لأن هذا التركيب يدل على عظم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها : أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره والثاني : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التصريح ، ألا ترى أنه في السورة المتقدمة لم يذكر اسم أبي جهل ولم يخف على أحد لاشتهاره ، وقوله : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [ الواقعة : 83 ] لم يذكر الموت لشهرته ، فكذا هاهنا والثالث : تعظيم الوقت الذي أنزل فيه . المسألة الثانية : أنه تعالى قال في بعض المواضع : إِنِّي * كقوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] وفي بعض المواضع إِنَّا * كقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [ الحجر : 9 ] ، إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [ نوح : 1 ] ، إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر : 1 ] . واعلم أن قوله : إِنَّا * تارة يراد به التعظيم ، وحمله على الجمع محال لأن الدلائل دلت على وحدة الصانع ، ولأنه لو كان في الآلهة كثرة لانحطت رتبة كل واحد منهم عن الإلهية ، لأنه لو كان كل واحد منهم قادرا على الكمال لاستغنى بكل واحد منهم عن كل واحد منهم ، وكونه مستغنى عنه نقص في حقه فيكون الكل ناقصا ، وإن لم يكن كل واحد منهم قادرا على الكمال كان ناقصا ، فعلمنا أن قوله : إِنَّا محمول على التعظيم لا على الجمع . المسألة الثالثة : إن قيل : ما معنى إنه أنزل في ليلة القدر ، مع العلم بأنه أنزل نجوما ؟ قلنا فيه وجوه : أحدهما : قال الشعبي : ابتدأ إنزاله ليلة القدر لأن البعث كان في رمضان والثاني : قال ابن عباس : أنزل إلى سماء الدنيا جملة ليلة القدر ، ثم إلى الأرض نجوما ، كما قال : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [ الواقعة : 75 ] وقد ذكرنا هذه المسألة في قوله : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] لا يقال : فعلى هذا القول لم لم يقل : أنزلناه إلى السماء ؟ لأن إطلاقه يوهم الإنزال إلى الأرض ، لأنا نقول : إن إنزاله إلى السماء كإنزاله إلى الأرض ، لأنه لم يكن ليشرع في أمر ثم لا يتمه ، وهو كغائب جاء إلى نواحي البلد / يقال : جاء فلان ، أو يقال الغرض من تقريبه وإنزاله إلى سماء الدنيا أن يشوقهم إلى نزوله كمن يسمع الخبر بمجيء منشور لوالده أو أمه ، فإنه يزداد شوقه إلى مطالعته كما قال :